إذا كان ثمة مجال واحد يستحق أن نضع فيه كل طاقتنا وتفكيرنا وإمكاناتنا في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ الوطن العربي، فهو التعليم بلا منازع. نعم، التعليم الذي يتحدث عنه الجميع لكن يُصلحه القليل، الذي يحتل سطور البرامج الانتخابية والخطط الحكومية لكنه يظل رهين الروتين والعقلية البيروقراطية التقليدية في واقع مؤلم يتناقض صارخاً مع الطموحات المُعلنة. يكفي أن نعرف أن تقارير دولية متعددة تُشير إلى أن خريجي بعض جامعاتنا يفتقرون إلى المهارات الأساسية التي يحتاجها سوق العمل الحديث، لنُدرك حجم الفجوة بين ما نُعلّمه وما يحتاجه الواقع.

جوهر الأزمة التعليمية العربية لا يكمن في شُح الموارد المالية وحده، رغم أهمية الاستثمار الكافي في التعليم، بل يكمن في فلسفة تعليمية عتيقة تُقدّم الحفظ على الفهم، والامتثال على التفكير النقدي، والمعلومة الجاهزة على مهارات حل المشكلات والابتكار. مناهجنا في كثير من الأحيان لا تزال تُعدّ الطالب لعالم لم يعد موجوداً، بينما العالم الذي يعيش فيه ويُعدّ للعمل فيه يتغير بسرعة مذهلة تجعل أي محتوى تعليمي جامداً عاجزاً عن مواكبته.

الحل ليس في مزيد من التكنولوجيا وحدها ولا في استيراد نماذج تعليمية غربية جاهزة بمعزل عن سياقنا الثقافي والاجتماعي، بل في مراجعة شاملة وجريئة للفلسفة التعليمية برمّتها بدءاً بتكوين المعلم وإعداده واحترامه مادياً ومعنوياً، مروراً بمراجعة المناهج لتُركّز على الكفايات والمهارات الحياتية بدلاً من حشو المعلومات، ووصولاً إلى تحرير إدارة المدارس من قبضة المركزية الخانقة وإتاحة هامش من الاستقلالية يُمكّنها من الابتكار والتكيّف مع احتياجات بيئتها المحلية.

الأجيال العربية القادمة ليس أمامها رفاهية انتظار إصلاحات مؤجّلة وبرامج تُراوح في مكانها عقوداً. مواطن المعرفة والقدرة التنافسية العالمية ستكون حكراً على من يُحسنون تعليم أبنائهم وتهيئتهم للمستقبل، وليس على من يكثرون الكلام عن التعليم دون أن يُحسنوا فعله. الإصلاح ممكن وتجارب ناجحة موجودة هنا وهناك في منطقتنا وخارجها، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة الاعتراف بحجم الخلل وعمق المشكلة.